ديبوك — استضاف قسم التراث الإسلامي بكلية الدراسات الإسلامية في الجامعة الإسلامية العالمية الإندونيسية (UIII) فضيلةَ الدكتور سعيد بن أحمد الزكاف، الخبير المغربي في تحقيق المخطوطات، وذلك في إطار محاضرة علمية تناولت أهمية هذا الحقل المعرفي في عناية التراث الإسلامي. وكان الدكتور الزكاف قد تخرّج في معهد المخطوطات بالقاهرة عام 2009، حيث نال درجة الماجستير في علم المخطوطات وتحقيق النصوص، قبل أن يحصل على درجة الدكتوراه في الفقه الإسلامي من جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس عام 2020.
وشهدت الجلسة حضورًا لافتًا من الطلاب والطالبات، وأدارها رئيس قسم التراث الإسلامي د. محمد إلياس مروال، حيث قدّم د. الزكاف عرضًا علميًا تناول فيه الأبعاد الفكرية لتحقيق المخطوطات ودوره في الحفاظ على الحضارة الإسلامية. وأشار إلى أن هذه الحضارة تقوم أساسًا على النصوص، وليست حضارة معمارية محضة كالأهرامات ونحوها، مستلهمًا ذلك من أول ما نزل من القرآن الكريم: “اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ”، وهو ما يفسّر الثراء الهائل للمكتبة الإسلامية وتنوع علومها.

وأوضح أن عددًا كبيرًا من المخطوطات لا يزال حبيس الإهمال، بل يواجه في بعض الحالات خطر التلف والاندثار، مقارنة بما تم تحقيقه ونشره حتى اليوم. وأكد أن إدراك قيمة المخطوطات يظلّ مسؤولية المحقق بالدرجة الأولى، مشيرًا إلى أن المحقق الناجح لا بد أن يتحلّى بثقافة واسعة وكفاءة علمية راسخة، تشمل إتقان اللغة ومكوناتها، إلى جانب التحلّي بالإخلاص والصبر والحكمة والأمانة العلمية.
وتطرّق د. الزكاف إلى المراحل الأساسية لتحقيق المخطوطات، موضحًا أن العملية تبدأ بجمع نسخ المخطوط، ثم ترتيبها وتصنيفها بدقة، وهي مرحلة تعتمد بشكل كبير على خبرة المحقق وثقافته. وفي حال عدم توافر نسخة كاملة، يقوم المحقق بمقابلة النسخ المتاحة واستدراك ما سقط منها، بما يتيح إعادة بناء النص بأقرب صورة ممكنة إلى ما أراده مؤلفه.

كما أشار إلى أن مرحلة المقابلة بين النسخ تُعدّ من أدق مراحل التحقيق، إذ تتطلب مهارة عالية وتركيزًا دقيقًا، بهدف إخراج النص مضبوطًا كما وضعه المصنّف، أو قريبًا من ذلك دون تدخّل. وفي هذا السياق، أكّد على أن دور المحقق لا يجيز له التصرف في ألفاظ المؤلف بالحذف أو الزيادة أو التبديل، قائلا “نصّ المتن من المخطوط لصاحبه والتعليق للمحقق”، حيث يُشار إلى التصحيحات أو الملاحظات في الهوامش بعد التحقق والتدقيق.
وأضاف أن من مقتضيات التحقيق أيضًا توثيق المصادر التي اعتمد عليها المؤلف، مع ضرورة تجنّب الإكثار من التعليقات إلا عند الحاجة. ومن أهم وظائف التعليق تعريف الأعلام غير المشهورين، وشرح المصطلحات الغامضة، وتوضيح الأماكن أو الإشارات غير المعروفة.

وفي سياق الحديث عن منهجية التحقيق، تطرّق إلى الفهرسة الوصفية بوصفها خطوة أساسية، حيث يتم تسجيل البيانات التعريفية للمخطوط، مثل اسم المؤلف، ونسبة الكتاب إليه، وعنوانه، وعدد صفحاته، وحجمه، وغيرها من المعلومات التي تسهم في التعريف به وتمييزه، وتسهيل الوصول إليه للباحثين.
وتأتي هذه المحاضرة في إطار الجهود الأكاديمية الرامية إلى إحياء التراث الإسلامي، وتعزيز وعي الطلبة بأهمية تحقيق المخطوطات بوصفه مجالًا أكاديميا يجمع بين الدقة العلمية والعمق الفكري، ويسهم في ربط الماضي بالحاضر في سياق معرفي متجدد.