ديبوك – استقبل قسم التراث الإسلامي بكلية الدراسات الإسلامية، الجامعة الإسلامية العالمية الإندونيسية (UIII)، يوم الاثنين 20 أبريل 2026، الدكتور أيانج أوتريزا يقين، في أولى محاضراته لمادة “دراسات التراث الإسلامي في الأكاديمية الغربية”. تأتي هذه الجلسة استكمالًا لمسار المادة الذي انطلق مع بداية الفصل الدراسي، حيث ركّز الدكتور أيانج في مستهلّ محاضرته على المدرسة الاستشراقية الإنجليزية التقليدية والمنهج التاريخي النقدي، مقدّمًا مقاربةً شاملة تربط بين التاريخ العالمي وأبعاده الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.
إشكالية المنهج…لماذا يتفوّق الأكاديميون الغربيون؟
استهلّ الدكتور أيانج الجلسة بطرح تساؤلٍ محوري حول أسباب تفوق الأكاديمية الغربية في مجال الدراسات الإسلامية بينما كان الباحثون المسلمون هم الأقرب إلى النصوص وأعمق معرفةً باللغة. وأوضح أنه رغم أن امتلك الأكاديميون المسلمون ميزة أولوية للنصوص والتعامل المباشر والمكثف مع اللغة العربية، إلا أن الفارق يكون في “الأدوات المنهجية”؛ حيث يبرع الغربيون في توظيف المقاربات النقدية التي تذهب لما وراء النصوص، بينما يميل الكثير من الباحثين المسلمين إلى الاكتفاء بالاستيعاب اللغوي دون التحليل المنهجي المقارن.

ثنائية “التنقيحية” و”اليقينيات التاريخية”
في سياق تحليله لمسارات كتابة التاريخ الإسلامي، توقّف الدكتور أيانج عند ما سمّاه “التنقيحية” و”اليقينيات التاريخية”، مبرزًا الفجوة المنهجية بين اتجاهين بارزين. فمن جهة، أشار إلى الاتجاه الاستشراقي المتشدّد الذي تبنّى نزعاتٍ إلغائية وتنقيحية، حيث اتّسمت بداياته بكتاباتٍ تشكّكية ونبرةٍ نقدية حادّة سعت إلى تفكيك الجذور المعرفية وإعادة قراءة السرديات التقليدية من منظور مغاير. ومن جهة أخرى، تناول اتجاه المؤرخين المسلمين الذي غالبًا ما يتحرّك ضمن مقارباتٍ جوهرانية، وأحيانًا ذات طابعٍ طائفي، تنطلق من مسلّماتٍ إيمانية ويقينياتٍ ثابتة؛ الأمر الذي يجعل الكتابة التاريخية أقرب إلى التحفّظ والتعفّف، وتميل في بعض الأحيان إلى التحيّز، مع الافتقار إلى توظيف الأدوات النقدية والتحليل المقارن. وبين هذين الاتجاهين، تتجلّى الحاجة إلى مقاربةٍ منهجية أكثر توازنًا، تجمع بين الصرامة النقدية والوعي بالسياقات، دون الوقوع في الإلغاء أو الارتهان لليقينيات المسبقة.
الاستشراق الموضوعي: نموذج الحياد والنبرة المتعاطفة
في مقابل هذه الثنائية المنهجية، أبرز الدكتور أيانغ بروزَ تيارٍ من المستشرقين الذين يمكن وصفهم بـ “الموضوعيين”، حيث تميّزت أعمالهم بقدرٍ من الحياد العلمي والنبرة المعتدلة. وقد اعتمد هؤلاء الباحثون على المصادر الإسلامية الأصيلة، لكنهم قرأوها من خلال أدواتٍ نقدية رصينة، مع حرصٍ على تجنّب النبرة الهجومية أو الأحكام المسبقة، ما أضفى على دراساتهم طابعًا متوازنًا يجمع بين التحليل العلمي والاقتراب الإنساني من موضوع البحث.
وفي هذا السياق، استعرض الدكتور أيانج عددًا من النماذج البارزة، من بينهم مونتغمري وات في دراساته حول السيرة النبوية، ولا سيما كتابيه “محمد في مكة” و”محمد في المدينة”، ومارشال هودجسون في عمله الموسوعي “مغامرة الإسلام”، إضافةً إلى إيرا لابيدوس في كتابه الشامل “تاريخ المجتمعات المسلمة”. وتمثّل هذه الأعمال، في نظره، نماذج متقدمة لكيفية توظيف المنهج النقدي دون القطيعة مع المصادر الأصلية.
تأكيدا لعمق هذه المقاربات، أشار إلى مثالٍ تحليلي يتعلّق بمسألة تحريم الربا، حيث لم يقتصر هؤلاء الباحثون على القراءة النصّية فقط، بل ربطوا التشريع بسياقه التاريخي-الاقتصادي، معتبرين أنه جاء في إطار معالجة بنية تنافسية في السوق آنذاك. ويعكس هذا النوع من التحليل توجّهًا نحو فهم النصوص الدينية ضمن سياقاتها الاجتماعية والتاريخية، وهو ما يُعدّ من أبرز سمات المقاربة التاريخية-الاجتماعية في الدراسات الاستشراقية المعاصرة.

معايير جودة البحث العلمي: المقاربة والسؤال
في ختام محاضرته، قدّم الدكتور أيانج جملةً من الوصايا المنهجية للطلبة، مؤكدًا أهمية الإلمام بكتابات المستشرقين، ولا سيما في مجال التاريخ، لفهم آلياتهم في مقاربة التراث الإسلامي وطرائق تحليلهم لنصوصه. وأوضح أنّ الاطلاع على هذه الأعمال لا يعني التسليم بمضامينها، بقدر ما يهدف إلى استيعاب أدواتها النقدية وتطوير القدرة على توظيفها بوعيٍ علمي.
كما نبّه على أنّ جودة الرسائل العلمية لا تُقاس بحجم مادتها أو كثرة مراجعها، بل تقوم أساسًا على نوعية المقاربة المعتمدة عليها وذكاء السؤال البحثي الذي ينطلق منه الباحث. وفي هذا السياق، أشار إلى أنّ السؤال الدقيق هو الذي يوجّه مسار البحث ويحدّد عمقه، بينما تظلّ المقاربة المنهجية هي الأداة الحاسمة في إنتاج معرفة علمية رصينة. وأضاف خاتما بالتأكيد على أنّ التمكّن والتبحّر من هذين البعدين سوف يشكّل الطريق الأساسي لإسهامات أكاديمية ذات قيمة وتأثير.
