Contributor: | Editor:

ديبوك — شكّلت مشاركة الدكتور أيانج في تدريس مادة “تراث نوسانتارا” إضافة نوعية قدّمت للطلبة رؤى جديدة في مقاربة التراث الإسلامي، حيث لم يَعُد تحقيق المخطوطات بوصفه عملًا تقنيًا فحسب، إنما يُنظَر إليه باعتباره منتجًا فكريًا يعكس عمقًا معرفيًا وتراكمًا علميًا. وفي هذا السياق، كشفت إحدى محاضراته التفاعلية عن التحوّل الذي يشهده هذا الحقل، بوصفه مشروعًا فكريًا يربط الماضي بالحاضر ويستحضر كيان التراث العلمي الإسلامي في النقاشات المعاصرة.

وفي تجربة تعليمية تتجاوز النمط التقليدي للمحاضرات، تحوّلت إحدى جلسات المادة إلى مساحة حيّة لمناقشة أحد أبرز علماء إندونيسيا، وهو فضيلة الشيخ محمد محفوظ بن عبد الله الترمسي رحمه الله (ت ١٣٢٩هـ). لم يكن الهدف مجرّد استعراض سيرته أو تعداد مؤلفاته، بل إعادة إسهاماته بوصفه نموذجًا معرفيًا حيًّا، حيث لا يزال قادرًا على التأثير في النقاشات الأكاديمية المعاصرة.

استهلّ الدكتور أيانج محاضرته بعرضٍ موجز لسيرة الشيخ الترمسي، متناولًا خلفيته التعليمية وإسهاماته البارزة في علوم الحديث والفقه والقراءات.  وفي هذا السياق، أشار إلى الاهتمام المتزايد بتراث الترمسي الذي لا يزال يستقطب اهتمام الباحثين، لا سيما في مجال تحقيق المخطوطات، حيث قال “نشهد اليوم تنافسًا ملحوظًا بين الباحثين على تحقيق مؤلفات الشيخ محفوظ الترمسي، لما تميّز به من قيمة علمية كبيرة.”

وبرزت القيمة الحقيقية للمحاضرة في استدعاء الطلبة إلى التفاعل المباشر مع هذا التراث؛ إذ حثّهم على قراءة أعمال الشيخ الترمسي قراءة نقدية بنّاءة تتجاوز الفهم السطحي للنص. وقد أتاحت هذه المقاربة آفاقًا جديدة أمام تجربة تعلُّم متميّزة، حيث سعى فيها الطلبة، من خلال المناقشات والحوار بينهم، إلى استكشاف ما وراء السطور. ثم أضاف قائلا “القراءة الحقيقية لا تقتصر على فهم ما في السطور، بل تمتد لاكتشاف ما في الصدور” أي ما وراء السطور.

وفي هذا الحوار المفتوح، قدّم الطلبة عروضهم وتحليلاتهم لعدد من مؤلفات الشيخ الترمسي (شروحا وحواشيا)، لتتحول القاعة إلى حلقة أكاديمية مصغّرة. ومن خلال هذه العروض، تبلورت صورة أكثر تكاملًا للشيخ الترمسي، بأنه ليس فقط عالما في الشريعة والحديث، بل خبيرا في اللغة العربية وبالتالي، فإنه يمتلك حسًا نقديًا واضحًا في تعامله مع النصوص. وأظهرت بعض الحواشي التي ناقشها الطلبة كيف كان يتوقف عند الألفاظ والتراكيب في المتن، محللًا دلالاتها، ومناقشًا استعمالاتها في ضوء قواعد لغوية راسخة، وهو ما يعكس أن عملية التحقيق لديه لم تكن مجرد ضبطٍ نصي، بل ممارسة علمية مركّبة تجمع بين الفهم اللغوي والدراية الشرعية والوعي المنهجي.

وفي ختام المحاضرة، عبّر الدكتور أيانج عن تقديره لهذا المنهج التفاعلي، مؤكدًا أن مثل هذا الحوار يمثل جوهرا أكاديميا حقيقيا. فالتعلّم، كما أشار، لا يتحقق بالحفظ والتلقّي فحسب، بل بالقدرة على التساؤل والتحليل وإعادة التفكير في المألوف.

وهكذا، لم تكن المحاضرة مجرد دراسة في التراث، إنما هي تجربة فكرية أعادت طرح سؤال جوهري: كيف نقرأ ونفهم تراثنا اليوم؟ والجواب القاطع، تبدأ من الجرأة على النظر إلى النصوص لا بوصفها نهاية المعرفة، بل بدايتها.

More From News